العربية | English | עברית
نداء خوري نداء خوري

منذ الصرخة الأولى حين فرجت ساقيها ،في زاوية الغرفة الشرقية ،وحيث تدلّت شراشفها الملوّنة حول خصرها الممتلئ بالصراخ، منذ تلك الولادة وأنا أكره مشيئة الوعي التي تدمن غباوة الأشياء، وتفاهة الكلام والموت، وسخف الأجساد المتآكلة كالشمع.

ولدتْ في جبال البرد ، مع الفراش ، تعلمت نشيد الزعتر ، كبرتْ عروسا ً له في بريّة البربرة ، تعلمت من طفولة النداء صراخ التمرد ، وتحاول أن تنسج شيئا ً في قماش الزمن.

في تمام الأربعين يوما ترضع الموت مع موت أختها ، التي سقطت من أعلى السرير المحوّط بقضبان الحديد ،عندما حاولت وهي في الرابعة والنصف من العمر، كشف ملامحها هي الابنة الثالثة المولودة في أول نيسان1959 ، عندها سقطت "لور" على رأسها ولقيت حتفها في اليوم الثالث .

في الرابعة من العمر تسمع الموت ، عام 63 صرخت أمها بالغرفة الشرقية حيث قالوا لها أن أمها "نزهة" التي تهجرت من قرية سحماتة المهدومة ، والتي فقدت نور عينيها وتعيش عمياء منذ ستة وعشرين عاما ً، والتي هي هداية بيت وجيه العائلة الذي استقبل ثوّار 1936 ليالي الثورة نزهة سمعان قد ماتت ، وفقدت نور الحياة .

بعدها بستة أشهر صرخت أمها مرة أخرى، مات اباها وانحّل العِقد .

في الخامسة تلامس الموت مع موت أخيها، الوليد الجديد، حيث أتوا به ملفوفا بالشاشات البيض موضوعا في صندوق صغير ليدفن بصمت، وكان أن حاولت كشف ملامحه والتعرف عليه بأصابع يدها اليمنى المرتعشة، فأحست الموت الأصفر البارد الملاك.

كبرت بدأت تتعلم أمَها ، مع بداية تعلمها اللغة ، تربّت وعلمت ما يعني ان تكون المرأة وحيدة وحدانية، حزينة وقوية .

في كل موسم من الليل كانت تتعلم الخوف من محاولات تسلل فدائيون فلسطينيون من الحدود اللبنانية شمالا.

في الثامنة من عمرها حرب 67 تعلمت كتابة التراجيديا ، ست أيام للخلق والسابع للمفقود ، لم يعد الأب من عمله في حيفا ،ولم يكن الإتصال به ممكنا ، اُعلنت حرب الأيام الستة، وذاتها تلك الأم وحدها مع أولادها تتدبر الطحين وتعجن صحن الدار، أما هي فمع اخوتها الصغار، تنظف مغارة الجيران لتضمن ملجا ً معهم لها لأمها ولأخوتها ، حرب والحدود قريبة . ولجت مغائر العتم والرطوبة ودهاليز الهندسة القديمة ، لترضى بزاوية صغيرة يختبئون بها .

في اليوم التالي أعلنوا أن خطر انهدام المباني يداهم منطقة الحدود، وعلى السكان ان يحطوا بأماكن مفتوحة، فكان حضن شجرة الليمون واسعا وجذعها يضاهي خصر امرأة في الأربعين ، فحوّطوها بالشراشف والعصي

جعلوا منها خيمة مدورة لجأوا إليها وفاض المكان من التعب والخوف الحامض ، وفاض عليهم الوقت، وكان دهرا من ذاكرة خيام وريق فائض.

في العام 73 حرب اخرى ، تنتقل لمدرسة راهبات داخلية في الناصرة ، دير راهبات ، تلك الليلة أن عليها العودة الى البيت لأن والدها الذي عمل في مصنع نسيج بوردية ليلية مع فريق منالقرية، قد تعرضوا لهجوم من الفدائيين الفلسطينيين في عملية معلوت المشهورة ، وعلى الأرجح لا يُسمح لها بالخروج من الدير، إلا أنها تركت تعليمها هناك مع نهاية السنة وانتقلت الى ثانوية رنّ الهاتف مخبرا أنه قضى.

ترشيحا لعام دراسي آخر. في العام 76 أقيم حفل زفافها في القرية، وانقطعت دراستها.

في العام 77 تلد بكرها، في 78 تلد ابنها الثاني وفي 80 تلد توأمتها وروح سلالتها الأنثوية الوحيدة ، أمّا في العام 88 فتلد آخر زفرة لها في العطاء للحياة، أميرا يتهيأ لكسب قلعتها الداخلية .

في العام 82 تفقد أعزّ اعمامها في ريعان الشباب والنجاح والعطاء ،صحافي بارع ومعروف ، موت لأسباب غامضة.

في 98 تفقد أعزّ صديقاتها مهجرة من قرية إقرث المهدومة ، تدفن في الذاكرة إثر مرض عضال

اعتاد الموت زيارة الأحباب، وكثيرا ما تردد على أبوابها وأخذ أرغفة عزيزة كثيرة لا تكفي جوعه الكبير.

في كثير من الأعوام لم تجرؤ على البوح عن الفقدان والحزن والعجز.

في العام 72 مات جار العمر والطفولة متكئا ً على جسدها الغض مترهلا بهامته الجهمة ،قالوا أن روحه دخلت بها تلبَسَتْها ، صلّوا لها ان تخلص من روح الميت ، سقوها من إناء نحاسي مضى بعض زمن وإذ بها تحمل كنيته وتدعى بالشاعرة وهو الذي يدعى ابو نخلة الشاعر ، يدعى طاسة الرعبة ، بعدما وضعوا الماء به ليلة تحت النجوم , وهي كذلك أم نخلة الشاعرة .

خالها الثاني يموت أمام عينيها على عتبة البيت, وتصرخ أمها ويموت خالها الأكبر بعد حين وتصرخ أمها. يموت عمها المهاجر ، يكشفون موته بعد اسبوع ، موته بعيد بارد لا يصرخون .

في العام 76 علموها كيف قُتل حماها رميا بالرصاص عام 48 وكيف مات أخيه المختار بعد ستة أشهر حزنا عليه.

انتحر أحد تلاميذها العام 97

98 يموت ابن عمها في غربة نيويورك حيث هاجر ليضمن الحياة له ولأمه قبيل الأربعين من بعد ستة أشهر تنتحر أمه حزنا عليه, ترمي بنفسها من شرفة غرفتها في الطابق الرابع, لا عمره، لا يصرخ أحد.

يتوالى الموت ... فرِغت حارة المراح الغربية من أهلها، توفيق ،ناجي، زكية، ماري ، ميّسر، مطلق، غطاس، نظمية, بطرس، جمال، مطانس، نظيرة، نمر، بهية، حنا، سمير، أنور، أبو مسعود . لم يبق إلا أبواب البيوت، مسّلة الخطم ، ميابر الدخان ومساطيح يابسة في طريق البيت .

ومحاولة بدء جديد في نسج أجساد جديدة تكمل الحياة وتضوّع روائح البرّية والشهيّة في تلك البلدة البعيدة الباردة.